ابو البركات
370
الكتاب المعتبر في الحكمة
ومنهم من احتج بان قال إن العلة ألفا علية للنفس جوهر غير جسماني واحتج على ذلك بان النفس كذلك جوهر غير جسماني ولا يكون الجسماني علة لجوهر غير جسماني وما هو كذلك فهو بريء من الأجسام وعلائقها فهو أزلي الوجود لا يتطرق عليه الكون والفساد وإذا كانت علة النفس كذلك ووجوبها عنها لم يكن لاستعداد هيولانى فيعدم بعدمه بل يوجبها بذاتها لا بسبب حادث يقتضيها بايجادها فوجود النفس عن علتها دائم بدوام علتها فهي قديمة بقدمها . وقالوا إن النفس الانسانية لو كانت حادثة بعد ما لم تكن لقد كان حدوثها بسبب يوجب وجودها عن علتها غير الجسمانية اما مقتض واما معين مشارك والمقتضى هو محرك الإرادة والقصد من الفاعل المريد على سبيل التجدد وهذا المقتضى يحتاج ان يكون حادثا ليحدث الإرادة والايجاب وليس في الحادثات ما يقتضى بذلك - واما المعين فهو اما علة هيولانية وليس للنفس شئ كذلك لا البدن المخصوص بها ولا غيره فإنها قائمة بنفسها في وجودها دونه واما فاعل آخر معاون للفاعل الأول ومثل هذا انما يكون في مفعول متجز يكون لكل واحد من الفاعلين منه جزء وان لم تتميز الاجزاء والنفس ذات واحدة لا تتجزأ . واما الذين يرون ان النفوس الانسانية حادثة مع الأبدان فيحتجون بما يرونه من كونها في ابتداء حدوث البدن ضعيفة ثم تنشأ مع نشؤه وتنتقل إلى قوة مع قوته ومن عجزها إلى قدرة مع انتقاله من صغر إلى عظم وبتغير من نقص إلى كمال مع تغير حاله من نقصه إلى كماله فقالوا انها لو كانت قديمة قبله لقد كانت توجد فيه وهي من القوة والكمال على حد لا يزيد ولا ينقص ، ومنهم الذين يرونها ذات قوام بالبدن وجودها فيه كوجود الاعراض التي لا تنفك عنه ولا تنتقل فلا يتقدم وجودها وجوده ولا تبقى موجودة بعد مفارقتها له . ومن الذين قالوا بجوهريتها من يقول بحدوثها ويقول إن السبب المقتضى له عن عللها الفاعلية هو حدوث البدن الصالح لان يكون آلة مكملة لها فتقتضى الإرادة العقلية من تلك العلة المفارقة ايجاد نفس تعلقها بذلك البدن المستعد بمزاجه